ابن عطاء الله السكندري

53

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

فيؤدّيه ذلك إلى اتخاذ الخلوة . ومنهم من يتخذ الخلوة لاستحلاء ما يجد فيها من الالتذاذ ، وهذه كلها أمور معلومة لا تعطي مقاما ولا رتبة ، وصاحب الخلوة لا ينتظر واردا ولا صورة وشهودا ، وإنما يطلب علما بربه فوقتا يعطيه ذلك في غير مادّة ، ووقتا يعطيه ذلك في مادة ، ويعطيه العلم بمدلول تلك المادة . هذا ومن أراد التوسع في معرفة الخلوة وفوائدها وأسرارها وأهميتها في حياة الفرد المسلم السالك إلى اللّه تعالى فليرجع إلى الجزء الثالث والتسعين ، من الباب الثامن والسبعين في معرفة الخلوة . وليرجع إلى كتاب « الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر في الخلوة من الأنوار » المتن للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي والشرح للشيخ عبد الكريم الجيلي رحمهما اللّه تعالى . الحكمة الرابعة « 1 » : « ادفن وجودك في أرض الخمول ، فما نبت ممّا لم يدفن لا يتمّ نتاجه » . شرح الحكمة : هذه الحكمة تحث الإنسان على عدم التصدر للخلق بالإرشاد والنصح من أجل الشهرة قبل أن يزكي نفسه بالأخلاق الحميدة ، وينمي عقله بالعلم الغزير فإذا ما فعل ذلك استفاد منه الخلق وأثمرت شجرته . فإنه لا شيء أضر على النفس من الشهرة قبل بناء الشخصية البناء الصحيح لذلك قالوا : حب الظهور يقسم الظهور . وقالوا : كل ظهور يتبعه عداوة . وقال إبراهيم بن أدهم : « ما صدق اللّه من أحب الشهرة » . وقال رجل لبشر بن الحارث وهو من أصحاب الفضيل بن عياض : « أوصني . فقال له : أخمل ذكرك وأطب مطعمك » . وهذا كله لكي لا يدخل الرياء إلى قلبه فيحبط عمله . ولا يظن أحد أن هذه الحكمة تدعو إلى السلبية والانهزام ، بل هي على العكس من ذلك فإنها تدعو إلى العزلة المؤقتة التي تسمح للإنسان بالتحصيل العلمي وتزكية النفس . فالعلم والأخلاق شرطان أساسيان لمن أراد أن يتصدر لتعليم الخلق ونصحهم لكي يؤثر عمله إيجابا في الناس ويستفيدوا منه ، فيحصل النفع وتتم الفائدة . فكما أن من شرط إثمار الشجرة دفن البزرة في الأرض فمن شرط إنتاج المرشد أن يعزل نفسه مدة من الزمان تساعده على تحصيل العلم والأخلاق المطلوبين في عمله الإرشادي التعليمي .

--> ( 1 ) ورقمها ( 11 ) في النص الكامل للحكم .